دروز الجولان في خدمة إسرائيل

موقع المثقف الجديد - علي محمد طه

تقع هضبة الجولان في الجزء الجنوبي الغربي من سورية وتبعد عن العاصمة السورية دمشق نحو 50 كلم، وتبلغ مساحتها 1860 كلم مربعاً، ويقبع الجزء الأكبر من الهضبة تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ حرب عام 1967م، ويعدّ الجزء المحتل من الهضبة الأكثر ازدهاراً من النواحي الزراعية والسياحية والصناعية، وحسب الاحصائيات الإسرائيلية فإن ما يزيد على ثلاثة ملايين سائح يزورون الجزء الخاضع لهم، الذي يتمتع بطبيعة خلابة وأماكن سياحية متميزة، وبخاصة مناطق حمامات مياه نبع السخنة الحارة التي يقصدها السياح للاستجمام والعلاج الصحي، وجبال الحرمون التي جهزها المحتل لتصبح مناطق لاستقبال هواة تزلج على الثلوج، وقد منح جبل الشيخ الواقع قرب خط الهدنة البالغ ارتفاعه 2800 متراً إسرائيل موقعاً ممتازاً لمراقبة التحركات السورية، كما شكلت طبيعته الجغرافية حاجزاً طبيعياً ضد أي تحرك عسكري سوري، وتعد المنطقة مصدراً مهما للمياه، فأمطار مرتفعات الجولان تغذي نهر الأردن، وهي تُمد إسرائيل بثلث احتياجاتها من المياه، وتعد أراضي المنطقة البركانية من أخصب الأراضي، وتنتشر فيها أشجار التفاح والتين والفواكه وكروم العنب، كما يوجد بالمنطقة المنتجع الوحيد للتزحلق على الجليد الذي تستخدمه إسرائيل.

بقي الجزء الخاضع للدولة السورية في الجهة المقابلة على حاله كما كان عليه قبل عام 1967م، وبقيت أكبر مدنه كما هو واقع مدينة القنيطرة مهدمة خالية من السكان ومن أي خدمات، وقد تركها نظام الأسد شاهدة على همجية المحتل الإسرائيلي، ويقدر عدد سكان الجولان المحتل بـ40 ألف نسمة، نصفهم تقريباً من العرب والبقية أقليات كردية وشركسية وتركمان، ومن الناحية الدينية يشكل أبناء الطائفتين الدرزية والنصيرية أكثر من نصف السكان، ومعظم سكان الهضبة رحلوا عنها أثناء وبعد حرب عام 1967م إلى مناطق الدولة السورية، وقد أقام المحتل الإسرائيلي أكثر من 30 مستوطنة يهودية يقيم فيها أكثر من 25 ألف شخص، ومن أبرز المدن العربية في الجولان بلدات: مسعدة، ومجدل شمس، وبقعاتا، وعين قنية، وكل سكانها من الطائفة الدرزية ممن يحملون الجنسية أو الإقامات الإسرائيلية، ويتمتعون بنفس حقوق وواجبات المواطن الإسرائيلي القادم إلى الأراضي المحتلة من الخارج، وسمحت السلطات الإسرائيلية بالاتفاق مع الحكومة السورية وبتنسيق مع هيئة الأمم المتحدة للدروز بالذهاب إلى سورية والعودة منها، وبخاصة لفئات للطلبة ممن يدرسون في الجامعات السورية، وتُعطى تصاريح لمن يرغب في زيارة أقاربه في المناطق السورية، وبعد عام 1981م أعلنت إسرائيل ضم الجولان إلى دولة إسرائيل، وحينها رفض كثير من أهالي الهضبة القرار وأعلنوا إضراباً عاماً.

تجرد إسرائيل من جنسيتها والإقامة كل من يرغب العودة إلى سورية، والأغلبية الساحقة من الدروز اليوم هم ممن يحملون هوية (مقيم دائم) في إسرائيل، وبها يتمكنون من ممارسة أغلبية الحقوق الممنوحة للمواطنين الإسرائيليين ما عدا التصويت للكنيست وحمل جوازات سفر إسرائيلية، وحسب القانون الإسرائيلي يمكن للحكومة إلغاء هوية (مقيم دائم) إذا غادر المقيم المناطق الخاضعة للسلطة الإسرائيلية المدنية لمدة طويلة، فإذا قرر أحد السكان الجولانيين الرافضين الجنسية الإسرائيلية الانتقال إلى بلد داخل سورية فإن عليه التنازل عن جميع حقوقه في إسرائيل، بما في ذلك إمكانية العودة إلى الجولان ولو لزيارة عائلته، وخلافاً لما جرى في المناطق التي يقطنها النصارى والمسلمون، لم تتعرض قرى الدروز للدمار عقب حرب عام 1967م، كما لم يتم إجبارهم على ترك قراهم بشكل دائم.

ويطلق اسم (نازح) على كل من هاجر من الجولان المحتل ورحل إلى سورية عقب حرب عام 1967م، وبات معظمهم يُعامل في سورية كسوري من الدرجة الثانية، بل أضحت كلمة (نازح) عند كثير من الناس تعني الإنسان المشرّد بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ مهينة، ولم تقدم لهم الدولة في سورية أي شيء، وإنما سمحت لهم بالبناء في مناطق ضواحي دمشق التي عرفت فيما بعد بالعشوائيات، وهي مساكن بغير تراخيص بناء رسمية، وتفتقد الخدمات الضرورية؛ وهذا يجعلها غير مؤهلة للعيش الكريم، وقد باتت مناطق النازحين فيما بعد أماكن مشبوهة تنتشر فيها الجرائم والمخدرات وبيوت الدعارة، ومن أبرز المناطق التي سكنوها في الضواحي: مخيم خان الشيخ، وجرمانا، ومخيم اليرموك، ودويلعة، والحجر الأسود.

ومما يجدر ذكره أن الحكومة السورية تحظر على الدروز العمل في بعض الوظائف الحساسة وبخاصة في قطاعي الجيش والاستخبارات؛ خوفاً من تسريب معلومات من قِبلهم إلى الجانب الإسرائيلي، وتسود علاقة التوجس والريبة بين من النظام والدروز في سورية، وقد زادت العلاقات توتراً عقب هرب الطيار الدرزي بسام العدل الضابط بسلاح الجو السوري قائد الطائرة الحربية ميغ 23، الذي فر بها من سورية ولجأ إلى إسرائيل عام 1989م، ليكتشف النظام السوري فيما بعد أنه كان جاسوساً يقدم معلومات عسكرية عن سلاح الجو السوري للقيادة الإسرائيلية.

المعروف أن الدروز أقلية عربية منبثقة عن الفرق المنتسبة إلى الإسلام وغير الداخلة في طوائف الإجابة إجماعاً، ويعلن أتباعها في سورية الولاء للنظام السوري، ويعيش منهم ما يزيد على 20 ألفاً في هضبة الجولان المحتل، ويقيم نحو 120 ألفاً آخرون في الداخل الإسرائيلي، ويشكلون 2% من السكان، ويُعدّون من أشد الأقليات اندماجاً في إسرائيل، وبينما يعدّ الدروز أنفسهم عرباً من الناحية العرقية تعترف الحكومة الإسرائيلية بهم كمجتمع منفصل عن العرب، وشجعت الحكومة الإسرائيلية على إيجاد هوية منفصلة للدروز وهي (الهوية الدرزية الإسرائيلية) وقد اعتُرف بها رسمياً كديانة مستقلة عن الدين الإسلامي في القانون الإسرائيلي، ويتم تعريف الدروز كجماعة عرقية ودينية متميزة في إسرائيل حسب وزارة الداخلية في تسجيل التعداد السكاني، فلهم مدارسهم ومعابدهم الخاصة، وهم حسب نظام التعليم الإسرائيلي لهم مدارس درزية مستقلة ومختلفة في مناهجها عن المناهج في المدارس العبرية والعربية.

وقد عمدت الحكومات الإسرائيلية طوال عقود على العمل على دمج الجيل الجديد من الدروز في المجتمع الإسرائيلي، وعلى حين يحرم شيوخ الطائفة الحصول على الجنسية الإسرائيلية والعمل في الجيش الإسرائيلي، حصل آلاف الدروز عليها، وهم الآن يعملون في وظائف مختلفة في الدولة، ويوجد عدد كبير من أبناء الطائفة يعملون في الجيش الإسرائيلي.

يذكر التاريخ أنه في أثناء الانتداب البريطاني في فلسطين امتنع الدروز عن المشاركة في الحروب التي جرت بين العرب واليهود، لكنهم في حرب الاستقلال عام 1948م أصبحوا مشاركين نشطين مع إسرائيل، وفي 1956م، أي: بعد عقد اتفاق مع زعيم الطائفة الدرزية، تم سن قانون يُلزم الرجال الدروز بالالتحاق بجيش الدفاع الإسرائيلي، وهكذا وُلدت الكتيبة الدرزية وكتيبة (حيرف) التي تعرف أيضاً بالكتيبة الدرزية وهي قوة برية في عداد القوات النظامية لجيش الدفاع الإسرائيلي، ومعظم جنودها من الدروز، وقد تأسست عام 1974م، في أعقاب اتخاذ قرار بدمج جميع وحدات الأقليات تحت قيادة واحدة، ويُشار إلى أن احتراف الجنود الدروز وإخلاصهم لجيش الدفاع الإسرائيلي يجعلانهم عنصراً مهماً في تكوين قوة جيش الدفاع الإسرائيلي وقدرته على مواجهة أي تهديد يتعرض له، ويُعدّ لواء (جولاني) من الألوية المهمة في الجيش الإسرائيلي، ومعظم المقاتلين فيه من أبناء الطائفة الدرزية، ويخدم الجنود الدروز في مراكز حساسة في الجيش الإسرائيلي؛ بسبب إخلاصهم والثقة الكبيرة التي يحظون بها من قياداته.

وقف الدروز في سورية وإسرائيل معاً ضد الثورة السورية عام 2011م، واصطفوا إلى جانب نظام بشار الأسد، وأسهموا في قمع الثورة السورية بشكل كبير، وخرجت مظاهرات مؤيدة لبشار الأسد في قرى الجولان المحتل وبلداته، وخلال سنوات الانتفاضة الفلسطينية ضد الكيان المحتل لم تشهد المناطق الدرزية في الجولان وغيرها من مناطق الطائفة الدرزية في فلسطين أي احتجاجات تعارض سياسات المحتل الإسرائيلي الاستيطانية والقمعية، بل كان الدروز عوناً وسنداً للمحتل على تحجيم الانتفاضة وقمعها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *