إستراتيجية أردوغان مع اللاجئين

موقع المثقف الجديد - عمر سراقوة

نشرت قناة “معاً” الفضائية الفلسطينية تقريراً مترجماً عن الأرشيف الصهيوني وهرب اليهود من جحيم أوربا إلى فلسطين في أربعينيات القرن الماضي، وخلال ترجمة الدكتور ناصر اللحام للتقرير نقل عن متحدث إسرائيلي طاعن في السن قوله: “مع بداية الهجوم الألماني على أوربا الشرقية كنا نهرب إلى روسيا ومن ثم إيران، وتساعدنا تركيا على الوصول إلى فلسطين.. عبرنا من هناك ومعنا أكثر من 1000 يهودي، بعد أن منعَنا الإنجليز من الرسوّ في شاطئ حيفا”.

لم تكن فلسطين آخر النكبات في الأرشيف التركي العثماني، بل تلك كانت البداية فقط، فمع اندلاع موجة عدم الاستقرار في العالم العربي عام 2011م، وفّرت تركيا ممراً لمئات للآلاف من الفارين من جحيم الفوضى والحرب في سورية والعراق وليبيا؛ في صورة أنها متعاطفة إنسانياً مع ضحايا الحروب والصراعات، إلا أن مرور الأيام كان كفيلاً بكشف أن تركيا كانت تبحث عن ذرائع تتحصن بها للتوغل في تلك البلدان عسكرياً واقتصادياً، فأكثر من مليوني لاجئ سوري يقيمون في تركيا تحولوا إلى أكبر تهديد تستخدمه تركيا لأوربا؛ بهدف ابتزازها فيما يتعلق بتدخلها في الملف الكردي أو حتى في الحصول على مزيد من الأموال لتغطية نفقات هؤلاء اللاجئين!

فعلى رغم سياسة الباب المفتوح التي اتبعتها أنقرة مع العرب، إلا أنها أغلقت أبوابها في وجوه اللاجئين الأكراد، وفرضت على الفارين من “عين العرب” و”تل أبيض” قيوداً بواسطة الجيش التركي، فالإنسانية تختلف هنا إذا كانت المنفعة تقلّ!

واستخدمت تركيا أيضاً اللاجئين للتخفيف من أزمتها الاقتصادية، من خلال توفير عدد ضخم من الأيدي العاملة برواتب متدنية، مقابل ساعات عمل طويلة، بشروط يرفض الأتراك العمل بها، كذلك رفع هذا العدد من اللاجئين سوق العقارات بنسبة ضخمة جداً سواء فيما يتعلق بالبيع والشراء أم الإيجارات. إضافة إلى تحول تركيا إلى وجهة للمنظمات الدولية العاملة في مجال إغاثة اللاجئين، وبهذا وفرت أعداداً ضخمة من الوظائف للأتراك، إضافة إلى رفد القطاع المصرف التركي بمبالغ كبيرة من العملات الصعبة.

واستغلت تركيا كذلك من الناحية الأمنية والاستخبارية اللاجئين السوريين وأزمتهم؛ لتشكيل ميليشيات عسكرية تنفّذ معظم العمليات العسكرية الميدانية في الشمال التركي، مثل: عملية “درع الفرات” وغيرها، وهذا الأمر من شأنه تقليص نفقات الحرب على تركيا، وتقليص الخسائر البشرية في صفوف الجيش التركي، الذي كان دوره مقصوراً على الاستطلاع والقصف الجوي.

وكذلك احتلّت تركيا احتلالاً رسمياً الأراضي السورية، عبر إنشاء مقرات لمؤسسات حكومية تركيا في مناطق خاضعة للجيش التركي، مثل: جرابلس، التي تحولت إلى تركيا مصغرة بعد توزيع “بطاقات نفوس” تركية على السكان، وإجبار الطلاب على تعلم اللغة التركية في المدارس! كما تحولت المدينة إلى قبلة للصناعات التركية، وافتتحت شركات تركية مقرات لها هناك، فلا تقتصر الخطة التركية على تنفيذ عملية عسكرية والانسحاب فقط، بل لها مشروع احتلالي طويل المدى.

وفي الأشهر الماضية بدأ حزب العدالة والتنمية تغيير إستراتيجيته من حيث التعاطي مع اللاجئين، وانكشف الوجه الحقيقي للمنظومة السياسية التركية، وشنّت السلطات التركية بالتزامن مع عيد الفطر الماضي حملة موسعة على اللاجئين في إسطنبول، ورحّلت المئات منهم، إضافة إلى طرد كثيرين منهم إلى مناطق حضرية.

وقبل أيام من كتابة هذه المقالة صدرت تصريحات تركية بشأن منع تجديد الإقامة السياحية لعدد من الجنسيات، والإقامة السياحية يستخدمها كثير من اللاجئين للإقامة بصورة شرعية في تركيا إلى حين انتهاء الأزمات في بلادهم، ويبدو أن السياسة الجديدة التي ستنتهجها تركيا، بحسب ما صرح به ياسين أقطاي مستشار أردوغان، ترمي إلى إصدار الإقامة فقط لمن يستطيع أن يضخّ المال إلى الاقتصاد التركي! فللحصول عليها يجب أن يجري استئجار منزل بعقد سنوي والحصول على تأمين طبي للتمكن من العلاج في المشافي التركية، وكذلك دفع الرسوم السنوية عن كل فرد في الأسرة، والرسوم تختلف من جنسية إلى أخرى.

لقد سمحت الظروف لتركيا، بفضل استقبالها للعشرات من قادة الجماعات المسلحة الليبية منذ القضاء على نظام القذافي، بأن تكون أكبر مورد أسلحة لحكومة فايز السراج في طرابلس، كما إنها وقّعت مؤخراً اتفاقية أمنية وعسكرية تسمح لها بالعمل على الأراضي الليبية، واستغلالها في مواجهتها مع اليونان!

إن تركيا ترسم سياسات لا تختلف كثيراً عما تفعله إيران وروسيا وبعض القوى الغربية في البلاد العربية؛ بحثاً عن النفوذ، ومستغلة بذلك القضايا الإنسانية، ومشكلات الهوية الدينية، والعاطفة الإسلامية لدى بسطاء الشعوب العربية، وهذا الدور الذي تؤديه تركيا مطلوب منها، وتقف وراءه بعض القوى العالمية؛ بهدف الحدّ من اتساع القوة السعودية الناهضة في المنطقة، وللحفاظ على مستوى معيّن من الاضطراب في الشرق الأوسط، من أجل بقاء ما تسميه أدبيات هذه القوى: توازن القوى! وما ذلك إلا لمصلحة استمرار التصارع الذي يستنزف العالم العربي والإسلامي، ويحول دون نهوض المنطقة وتقدمها، ويعرقل تخلصها من القلاقل والأزمات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *