ماذا كتبَ الثوريّون عن عثمان بن عفان؟!

موقع المثقف الجديد - عبدالواحد الأنصاري

مضت أحداث ما سُمي: الربيع العربي، ولا تزال البلدان العربية تحصد هشيمها وآلامها، وربما حانَ لنا أن نعود إلى بعض الأفكار التي طُرحت على هامشها، وقد كان منها تلك المقولات التي أطلقَها بعض أنصار الثورات حول الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، والثورة التي هاجت عليه، وأدّت إلى استشهاده رضوان الله عليه.

في تلك الآونة اطلعت على مقالات ولقاءات لمثقفين ومفكرين عرب يتحدثون عن الاستبداد أو الفساد أو الثورات الشعبية على الطغاة والظلمة، فكانوا يستشهدون بما حصل في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه!

وكان أحد أولئك وزير اللحظات الخاطفة جابر عصفور الذي كتب مقالة من حلقات بعنوان: (محمد عفيفي مطر شاعراً سلَفياً) في 22-9-2010م، عرّض فيه بعثمان بن عفان رضي الله عنه تعريضاً عنيفاً، حين قال:

(بعد مقتل عُمَر على أيدي أثرياء قريش الذين أفسدوا رؤية العدل الذي أراد أن يحققه، فدسوا عليه مَن اغتاله، وأضاع حلمه، فجاء عثمان الذي أسلم رقاب الناس لعشيرته الأقربين، فحدثت الفتنة التي انتهت باغتياله، واغتصب الخلافة معاوية بن أبي سفيان).

انتهى كلام عصفور، وقد كان قوله ذلك أنموذجاً للافتراء المتعمد في مقتل عُمر رضي الله عنه، واتهاماً لأثرياء قريش تعريضاً (الذين منهم عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف المبشران بالجنة) بأنهم اغتالوا عُمر، ولعثمان بأنه (أسلم رقاب) الأمة لعشيرته الأقربين… إلخ.

ولكن يشاء الله أن يقبَل هذا الكاتب (أعني الوزير عصفور) أن يتقلد الوزارة في حكومة في الوقت الضائع، قبل أن يستقيل تحت ضغط الجماهير، ليُغمس هو نفسه (ولو يوماً أو بعض يوم) في تهمة الفساد التي رمى بها عثمان.

وأتذكر أنه قبل أن يجف حبر مقالة عصفور جاءتني آنذاك مقالة من أحد الأصدقاء عن ثورة تونس، يتحدث فيها عن أن السكوت عن الفساد سيجر الثورة إلى البلدان العربية، مستشهداً بسيرة الفساد في عهد عثمان، وأشرت عليه حينها بحذف المقطع من مقالته، فاستجاب إلى ذلك مشكوراً.

ولما اندلعت الثورة المصرية وأفضت إلى ما أفضت إليه من تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك قرأت مقالة جديدة للكاتب المتخصص في العلوم السياسية الدكتور خالد الدخيل، ووجدت أنه ينحو فيها المنحى نفسه الذي ظل هؤلاء الكتاب يلجون إليه كلما أرادوا أن يأتوا بمثال من التاريخ عن الظلم والفساد والثورة الشعبية، فقال في مقالة بعنوان: (ماذا بعد سقوط جمهورية الحزب الوطني) في 13-2-2011م، ما نصه: (لم يسبق في التاريخ العربي، وعلى مدى أكثر من 1400سنة، أن خرج الشعب في وجه الحاكم يطالبه بإصرار لا يلين على التنحي عن كرسي الحكم. المرة الوحيدة والاستثنائية التي حصل فيها ما يشبه ذلك هو ما حصل للخليفة الراشدي الثالث، عثمان بن عفان. كان ذلك عام 35 للهجرة عندما جاءت جموع من أهل العراق ومصر، ومعهم أهل المدينة، تطالب الخليفة بالتنحي. وقد انتهى المشهد آنذاك بقتل الخليفة، وهو ما فتح الباب أمام ما أصبح يعرف في التاريخ الإسلامي بالفتنة الكبرى. بعد 15 قرناً كان قدر الرئيس حسني مبارك أن يكون أول من يواجه الجموع وهي تطالبه بالشيء نفسه). انتهى كلامه.

ربما كان سبب تفشّي تلك الكتابات الواغلة في سيرة عثمان بن عفان رضي الله أن كثيراً من أولئك الكتاب لا يعرفون مكانة عثمان رضي الله عنه في الإسلام وعند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما إنهم ربما ظنوا أن عثمان خليفة ضعيف الشعبية عند المسلمين، ولا سيما أنهم يعتمدون في نقولاتهم وتحليلاتهم على المرويات الضعيفة والمكذوبة في زمن الفتنة؛ وليس في ذلك عذر لهم. ومن علامات أولاء أنهم لا يستشهدون من تاريخ الخلفاء والصحابة إلا للظلم والتخلف والاستعباد، وأما الصور المشرقة للعدل والرحمة فلا يأبهون بها.

والآن نخلص إلى أن شيء من عرض بعض جانب الصواب في تلك المقولات، مع قدر من الإجمال:

لقد أراد أولئك الكتّاب أن يشبهوا الثورات التي اندلعت في بعض البلدان العربية باغتيال عصابات من الغاشمين والكذابين لعثمان رضي الله عنه!

وقد ناظر عثمان رضي الله عنه مناوئيه في مطالبهم، وناظرَهم عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفقاً للروايات الصحيحة. وأجاب عثمان عن نفسه كما في البداية والنهاية عن شبهة توليته الصغار بأن النبي صلى الله عليه وسلم ولّى الصغار، وأجاب عن شبهة توليته المغيرة ومعاوية بأن عمر الفاروق ولّاهما قبله، وعن شبهة إعطائه المال لذوي قرابته بأنه يعطيهم من ماله الخاص.

وأما الشبهة التي تقول: إن الوليد بن عقبة كان من أمراء عثمان بن عفان، وقد شرب الخمر، فالجواب عنها: أن ذلك الخليفة الراشد استدعاه وجلده وعزله. وأما عزل عثمان لسعد بن أبي وقاص فذلك حصل بسبب خصومة اشتدت بينه وبين ابن مسعود، وقد أراد الخليفة أن يقطع دابر تلك الخصومة. وأما عزله لعمرو بن العاص فلأنّ أهل مصر أنفسهم طلبوا منه عزله، فعزله بناء على ذلك… إلخ.

وجاء عند الترمذي وابن أبي شيبة والبزار والطبري ما اعترض به أهل مصر على عثمان رضي الله عنه، وأنه أجابهم عن كل ما أثاروه من الشبهات، وبقيَت أشياء استغفر الله منها، وهذا إنما يدل على أنه كان رجلاً أواباً خاشعاً ناقداً لذاته رضوان الله عليه. وناقشه أهل مصر كذلك في أشياء قَبِل رأيهم فيها ورضي به، وأخذ عليهم العهد ألا يشقوا عصا الطاعة، فرضوا بذلك في حضرته، وامتدحَهم هو على ذلك، لكنهم رجعوا إلى الثورة والتهييج عليه بعد حادثة تزوير الخطابات التي زُور بعضها عليه وعلى صحابة كعليّ وعلى عائشة كما نقله ابن كثير في البداية والنهاية بإسناد صحيح إليها. وقد حجّهم عثمان بأقوى الحجج، حين تبرأ من الكِتاب المزور عليه، وحلَف لهم بأنه لم يكتبه، وطلب منهم البينة على أنه هو الذي كتبه، فلم يأتوا ببينة وأصروا على قتله! وأما بقية الروايات التي تكلمت بما يثبت كتابة مروان بن الحكم أو عثمان لذلك الكتاب فكلها ضعيفة واهية وليس هذا مقام نقدها.

ووصف بعض الكتّاب في تلك الآونة الثورة (إن صحت التسمية) التي هاج أصحابها على عثمان بأنها شعبية، ولم تكن كذلك!

قال ابن تيمية في منهاج السنة: ومعلوم بالتواتر أن الأمصار لم يشهدوا قتله (أي: عثمان) ولا أحد من السابقين الأولين دخل في قتله.

وجاء في تاريخ ابن خياط: قال الحسن البصري وقد سئل: أكان فيمن قتل عثمان أحدٌ من المهاجرين والأنصار؟ قال: كانوا أعلاجاً من أهل مصر.

وقال ابن سعد في طبقاته: كان قتلة عثمان رضي الله عنه: حثالة من الناس، ومتفقون على الشر.

وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه أنه قال: لا تقتلوا عثمان، فوالله لئن قتلتموه لا تصلّوا جميعاً أبداً.

وجاء في تاريخ دمشق بسنده أن عليا رضي الله عنه قال للحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدَعا أحدا يصل إليه، وبعث الزبير ابنه، وبعث طلحة ابنه، وبعث عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان.

وجاء في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة عن كنانة مولى صفية أم المؤمنين قال: شهدت مقتل عثمان فأُخرِج من الدار أمامي أربعة من شباب قريش مضرجين بالدم محمولين كانوا يدرؤون عن عثمان: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم، قال محمد بن طلحة: فقلت له: هل تدمّى محمد بن أبي بكر شيء من دمه؟ قال معاذ الله! دخل عليه فكلّمه بكلام، فخرج ولم ينَل شيئاً من دمه.

بل قد ثبت ما هو أبلغ، وهو أنه حتى النساء دافعن عن عثمان في هذه الفتنة، فقد دافعت عنه ثنتان من أمهات المؤمنين، هما: أم حبيبة وصفية رضوان الله عليهما، فجاء في مسند علي بن الجعد: أن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها خرجت لترد عن عثمان، فلقيَها الأشتر النخعي فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت صفية لمولاها كِنانة: ردّوني لا يفضحني هذا الكَلب، فلمّا رجعت وضعت خشباً بين منزلها ومنزل عثمان ليُنقل عليه الطعام والشراب.

ومما يَقطع بأن الهجمة الآثمة على منزل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه كانت ثورة غير شعبية أن مَن كان في المدينة من رجالات الصحابة بحسب المرويّ الثابت لم يزيدوا عدداً على 700؛ بسبب انصراف الناس إلى الحج وانشغال أهل الجهاد بالثغور، بعد أن سمح عثمان للصحابة بالخروج من المدينة عقب منع عمر إياهم من ذلك. فلما علم أولئك المعتدون الذين بلغ عددهم 2000 بقرب رجوع الحجاج، وبأن أهل الشام والكوفة والبصرة أرسلوا جيوشاً لنصرة الخليفة بادروا بقتله رضي الله عنه.

قررت بعض تلك المقالات أن أهل المدينة مالؤوا بعض أهل العراق ومصر على مطالبة عثمان بالتنحي، والصحيح العكس، وأنه لم يكن في أهل المدينة المزعومين واحدٌ من الصحابة، بل إن الصحابة قد طلبوا كلهم مناصرته، ولكنه رضي الله عنه آثَر الموت على أن يعرضهم للخطر. وأما ما رواه ابن جرير من طريق محمد بن إسحاق عن رسائل الصحابة فكذِب، وكذّبه ابن كثير في كتابه البداية والنهاية عند نقده تلك الروايات.

وأما مواقف الصحابة من أولئك المغتالين، فأولها موقف عليّ وطلحة والزبير، وقد خاطب عليّ رضي الله عنه كما جاء في البداية والنهاية بعض أولئك القتلة المفسدين بقوله: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا لا صبّحكم الله. وكذا قال لهم طلحة والزبير. وكذا قاله لهم عثمان في خطبته وإن كان ذلك برواية سيف بن عمر: يا هؤلاء الغرباء، الله الله فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فامحوا الخطأ بالصواب. وشهد له بذلك محمد بن مسلمة وزيد بن ثابت. والقاطع في ذلك كله حديث النعمان بن بشير قال: سمعت عائشة تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا عثمان إن الله مقمّصك قميصاً فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه) صححه الألباني. ولكن كان بعض الصحابة كالمغيرة بن الأخنس (الذي قُتل معه) أشار عليه بالانعزال كما جاء في تاريخ خليفة بن خياط بإسناده؛ لأنهم خشوا عليه من القتل، ونهاه عبدالله بن عمر عن الانعزال، وتفصيله: دخل ابن عمر على عثمان وعنده المغيرة بن الأخنس فقال: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون اخلعها ولا تقتُل نفسك. فقال ابن عمر: إذا خلعتَها أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا. قال: فإن لم تخلعها هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا. قال: فهل يملكون لك جنة أو ناراً؟ قال: لا. قال: فلا أرى لك أن تخلع قميصاً قمصكه الله فتكون سنّة كلّما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه.

وأخيراً:

هذا الطرح الذي يشبّه الثورات باغتيال عثمان إنما هو ناطق بلسان قاتليه كما هو واضح فيما اقتبسناه من الوزير الأسبق جابر عصفور، ويلزم منه تكذيب الرسول عليه السلام في حديثه بأن عثمان شهيد، وأنه سيبتلى وسيكون مظلوماً. وقد كان صحابياً بشره الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة وبالشهادة مظلوماً كما جاء في صحيح البخاري، وكان يصرف على الدولة من ماله الخاص ويفتدي به الصحابة. فهو في الصحيح المسند مَن جهّز جيش العسرة، وهو مَن اشترى أرضاً وتصدق بها للمسجد النبوي ثم منَعه المغتالون من الصلاة فيه، وهو مَن اشترى بئر رومة العذبة وتصدق بها للمسلمين ومنَعه المغتالون من الشرب منها، وزادوا على قتله بأن منعوا الصلاة عليه في المسجد، ومنعوا دفنه في البقيع، وحاولوا أن يُدفن في مقابر اليهود، ووصموه بأنه مات كافراً على غير دين الإسلام، ولطَمه بعضهم وهو ميت، ووطئ بعضهم على أضلاعه وهو ميّت. وهو (أي: عثمان رضي الله عنه) من افتدى عبيدالله بن عمر بن الخطاب من القتل بعد استشهاد أبيه وأدّاه من مالِه الخاص إلى بيت مال المسلمين، وشتّان بين خليفة يعطي من ماله بيت المال ومن يأخذ من بيت المال لنفسه، وهو من كان يُعتِق الرقاب كل جمُعة في سبيل الله، وهو من رفع أعطيات الناس بعد استشهاد عمر مئة درهم، وشتان بين من يزيد أعطيات الناس ومن يجوّعهم، وروى البزار أن الرسول عليه السلام بشّره بأنه رفيقه في الجنة، وفي صحيح مسلم أن الرسول كان يستحيي منه لأن الملائكة كانت تستحيي منه؛ فهلاّ استحيينا من عثمان ومن صحابة رسول الله رضي الله عنهم أجمعين؟!

 

 

التعليقات

4 تعليقات
  1. ناصر العبيد says:

    رحم الله عثمان بن عفان ورضي له ولا عزاء لأعداء الصحابة لا هم حافظوا على دينهم ولا هم حققوا شيئا في دنياهم

  2. سلمان says:

    قال تعالى: (إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)

    كذلك كان حال النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه في الغار

    وكذلك حال أمة محمد مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده

  3. أبو مصعب says:

    أرجو وضع عبارة (رضي الله عنه) في العنوان وفي الموقع بتويتر

    شكرا لكم

  4. ابو فهاد says:

    أفدتم وأجدتم

    موضوع عثمان لا زال يصيب بعض مثقي هذا الزمن بالعته

    لا يتصورون ان شخصا يكون غنيا ويوظف أقاربه ويكون خليفة عادلا

    وتلك هي المعادلة الصعبة التي حققها ذو النورين رضي الله عنه

    ولا يستغرب أن يحقق الصحابي المبشر بالجنة أي معادلة صعبة لا سيما انها معادلة تؤدي إلى الجنة وجوار النبي الكريم في الفردوس الأعلى

    وليس لدى أولئك المستفكرين بديل سوى الردح وبث الشتائم والشكوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *