قمة “الضرار” والمرجعية الإخوانية

المثقف الجديد - عمر سراقوة

انعقدت في العاصمة الماليزية كوالالمبور قمة “الضرار” التي دعا إليها رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد، في سياق محاولة لتشكيل رديف إسلامي بديل من منظمة التعاون الإسلامي، التي تضم 57 عضواً، وتعد من أكبر المنظمات الدولية بعد الأمم المتحدة.

جاء موقف مهاتير محمد مدعوماً بجهود تركية قطرية مشتركة، وهو يأتي بالتزامن مع صراع الأقطاب الذي يعيشه العالم الإسلامي منذ ما يسمى “الربيع العربي”، الذي خلّف عدداً من بلدان العالم الإسلامي في حالة من الفوضى والاقتتال، وجعلَها عرضة للاختراق والغزو من دول ومليشيات خارجية.

انعقدت القمة بين 18 و23 ديسمبر الجاري بمشاركة ماليزيا وتركيا وإيران وقطر، واعتذرت إندونيسيا وباكستان عن المشاركة فيها.

ووجهت ماليزيا دعوات لــ450 شخصية من بلدان العالم الإسلامي بين مسؤولين ونخب يُعتقد أنهم الحاضنة الفكرية والأيديولوجية للمشروع التركي الماليزي الذي تدعمه جماعات الأحزاب الإخوانية في المنطقة.

وعلى رغم قدرة ماليزيا على تنظيم مثل هذا الحدث إلا أن نجاح أطرافه بعد مضيّ سَكرة القمّة أمر غير واقعي؛ بسبب ضخامة التحديات التي تواجههم، سواء أكان ذلك فيما يتعلق بالمفاضلة بين مصالح تلك الدول والمواجهة المحتومة بينها وبين دولة مثل الصين إذا هي أرادت تبني قضية الأيغور بطريقة غير مدروسة، أم كان هدفها أنها ستخوض مواجهة قد تلوح في الأفق مع الهند، إذا قرر منظمو القمة تبني قضية كشمير بطريقة غير آمنة، وكل ذلك يبرز في الواجهة تَعارض المصالح الوطنية مع دعم القضايا الإسلامية بالطريقة الإخوانية.

لقد استغل مهاتير محمد الاستجابة الضعيفة للأمم المتحدة بشأن ملف كشمير مع الهند وحاول تشكيل كيان ينتقص من الدور الذي تقوم به منظمة التعاون الإسلامي، لكنه تجاهل عدم قبول كثير من أعضاء المنظمة هذا المشروع؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر: تجاهل مهاتير وقمته دولة الأردن، التي لها الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة، وكذلك الجزائر والمغرب ومصر، وغيرها من بلدان العالم الإسلامي.

وهاهنا سؤال يطرح نفسه: كيف جاز لقمة تدعي تمثيلها بلدان العالم الإسلامي أن تتجاهل قلب هذا العالم، أي: العالم العربي بكل مكوناته، بما في ذلك المملكة العربية السعودية حاضنة الحرمين الشريفين وأكبر قوة اقتصادية فيه! إضافة إلى عدد من الدول العربية، وكيف جاز لها أن تقصر المشاركة العربية على قطر، التي يتركز دورها في توفير الدعم المالي للأحزاب السياسية التي تقف خلف هذا المشروع، مثل: جماعة الإخوان المسلمين.

وأمام ما تقدمه المملكة العربية السعودية للدول الإسلامية، مثل استثمارها 20 مليار دولار في باكستان، وتشغيلها ملايين من الطبقة العاملة الباكستانية، هذا يجعل باكستان مثلاً ملزمة أمام مواطنيها بعدم الدخول في ائتلاف يظهر العداء الشديد للمملكة العربية السعودية. وكذلك الأمر لإندونيسيا التي تستثمر فيها السعودية نحو سبعة مليارات دولار، كان من الصعب عليها الانضمام إلى ائتلاف سوف يوتر علاقاتها بالمملكة.

لقد أقر مهاتير محمد في سبتمبر الماضي بأن ماليزيا لا تستطيع أن تتحمل استعداء الصين بشأن ملف الأيغور المسلمين؛ لكون الأخيرة لديها مشاريع ضخمة تنفذها بالشراكة مع ماليزيا، ووصف وزير الشؤون الإسلامية الماليزي مجاهد يوسف راوة معسكرات الاعتقال الصينية للمسلمين الايغور بأنها “مراكز تدريب”! ورفَض استنكارها، وهذا يؤكد ما أشرنا إليه سابقاً من أن المصالح الملحّة لتلك البلدان قد تغلب الشعارات التي نادت بها القمة.

وكذلك الأمر مع تركيا التي تعد هي الطرف الأكثر عناية بملف الأيغور؛ لكونهم ينحدرون من أصول عرقية تركية، فقد رفض أردوغان سابقاً توجيه انتقادات إلى الصين، ولا يُتوقع من إيران التي جندت مليشيات شيعية لقتل المسلمين السنة في العراق وسوريا واليمن ولبنان أن تقف في صف المسلمين السنة، وقد هادنت بالفعل الهند والصين؛ بهدف تجاوز العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

ولا بد من الإشارة إلى أن مهاتير محمد، الذي عاد إلى توريط نائبه أنور إبراهيم في ملف جنائي جديد على خلفية قضية اعتداء جنسي، قد لا يملك الوقت الكافي لتحقيق طموح مبني على رؤية حزبية تدعمها جماعة الإخوان المسلمين.

إن مشروع قمة “الضرار” الإسلامية يحتاج إلى أن ينطلق من منطق جمع الكلمة، إذ لا حاجة إلى صنع مزيد من الفجوات بين بلدان العالم الإسلامي، ومهما كانت القوة الاقتصادية والبشرية التي يحتويها مثل هذا التجمع فلا يمكن لها أن تتجاهل المكانة الإسلامية التي تمثلها الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، فلا يمكن من دونها جعل مثل هذا الكيان كياناً مشروعاً معترفاً به لدى عموم المسلمين.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *