بشّار يتنازل عن (شبعا) لحزب الله

المثقف الجديد - علي محمد طه

تواكب خروج أخر جندي إسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000م مع احتفالات أقامها حزب الله اللبناني، وزعم أنها للانتصار بدحر الاحتلال الإسرائيلي عن لبنان وإرغامه على الخروج منها ذليلاً صاغراً، مع أن خروج القوات الإسرائيلية من منطقة مّا لا يعني زوال خطرها أو عدم إمكانية عودتها إليها مستقبلاً.

لقد خرج الجيش الإسرائيلي من لبنان كما خرج قبلها من مناطق عربية أخرى، وحدث ذلك ضمن اتفاقيات وتفاهمات إقليمية ودولية تضمن له ما سُمّي حق الدفاع عن نفسه ضد أي قوى يرى أنها قد تشكل خطراً على أمنه الإستراتيجي، فقد رأينا بعد ذلك هجمات عديدة وتوغلات شنها الجيش الإسرائيلي داخل العمق اللبناني، وقد كانت أشدها حربه على لبنان عام 2006م، التي دمرت حينها مناطق واسعة من بلدات جنوب لبنان وقراه، وجزءاً من العاصمة اللبنانية بيروت.

وقد خرجت إسرائيل من لبنان، ولكن(مزارع شبعا)  الواقعة في جنوب لبنان وشمال هضبة الجولان بقيَت محتلة، وتضم منطقة المزارع هذه 14 مزرعة تحتلها إسرائيل منذ عام 1967م، وتبلغ مساحتها نحو 200 كلم مربع، وتمتد على طول السفح الجنوبي الغربي لجبل الشيخ، وعدد سكانها يبلغ نحو 35 ألف نسمة، معظمهم جرى تهجيرهم قسرياً من قِبَل قوات الاحتلال الإسرائيلي لخارج المنطقة.

وتختلف لبنان وسورية على ملكيّة مزارع شبعا منذ استقلالهما عن فرنسا عام 1946م، إذ إن الخرائط الفرنسيّة للمنطقة لم تساعد على حل النزاع، ففي خريطة 1932م كانت المزارع ضمن الأراضي اللبنانيّة، لكن خريطة 1946م جعلتها سوريّة، وقد بقيت المزارع منذ عام 1967م تحت السيطرة الإسرائيلية الرافضة للتفاوض عليها، ولعل أهميتها الإستراتيجية تكمن في العدد الكبير من المراصد العسكرية التي وضعتها اسرائيل فيها منذ احتلالها حتى الآن، وأبرزها مرصد (الفوار)، الذي يقع في منطقة جبلية مرتفعة بين لبنان وسورية، ويعد من أضخم المراصد العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وتبيّن جغرافية المزارع موقعها الإستراتيجي، فهي تشرف على جبل عامل والجليل الأعلى والجزء الجنوبي من سلسلة جبال لبنان الغربية وهضبة الجولان وسهول البقاع وحوران والحولة، حتى إن البحر الأبيض المتوسط تسهل مشاهدته بالعين المجردة من مرتفعات المزارع.

خلافات عام 2000م

بدأ الأشكال بشأن هوية مزارع شبعا مع ترسيم الخط الأزرق في عام2000م، عندما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان وبقي إسفينها مغروساً في شبعا، وقد فسرت عدم انسحابها من المزارع بأنها أراضٍ تابعة للدولة السورية، وبعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من لبنان عام 2000م، فاعترض حينها حزب الله الذي ذكر أنه لا تزال هناك أرض لبنانية محتلة هي مزارع شبعا، وأكد على لسان أمينه حسن نصرالله أنه لن يسلم أسلحته ما بقيَت أراض لبنانية محتلة من قِبل إسرائيل، وقد أيده في ما وصل إليه الرئيس اللبناني حينها إميل لحود، الذي كان أحد أهم حلفاء النظام السوري ومن أبرز داعمي الحزب في لبنان.

أما القوى السياسية اللبنانية فقد سارعت إلى المطالبة بمعرفة حقيقة ملكية المزارع، كما طالبت بإظهار الأدلة التي تثبت لبنانية مزارع شبعا، لكن لم تظهر أي وثيقة تثبت ملكية شبعا لا من الطرف اللبناني ولا من الدولة السورية التي يقول نظامها إن المزارع لبنانية، على حين تثبت الخرائط الفرنسية الصادرة عام 1946م أنها تابعة للدولة السورية، وأما إسرائيل فأكدت أن المزارع سورية، وأنها تابعة لهضبة الجولان المحتل وليست أرضاً لبنانية!

واليوم، وبعد ما يقارب 20 عاماً على ادعاء حزب الله أن أرض شبعا لبنانية حتى اللحظة، لم يتمكن هذا الحزب من تقديم أي دليل على ملكية لبنان منطقة مزارع شبعا، وأيضاً، لازم النظام السوري الصمت حول الموضوع ولم يعترف بلبنانية المنطقة، ولا هو قدّمَ أي دليل يثبت أنها تابعة له، على أن الاعتراف بلبنانية شبعا أمر تنتظره الأمم المتحدة لتثبت لبنانية تلك المناطق.

الحقيقة هي أن هناك جدالاً سياسياً كبيراً بين القوى السياسية في لبنان حول لبنانية مزارع شبعا، وقد أكدت صحيفة النهار اللبنانية من قبل أن كلاً من النظام السوري وحزب الله اتفقا على إبقاء المزارع مبهمة الملكية؛ لتبقى لحزب الله ذريعة البقاء كقوة عسكرية تدعي المقاومة في لبنان!

وأضافت الصحيفة: تمرّ الحدود اللبنانية حسب تعليمات الأمم المتحدة شمالي مزارع شبعا، أي: إن المزارع تابعه لسورية، وبذلك تكون المزارع جزءاً من هضبة الجولان، وعليه لم تطالب الأمم المتحدة إسرائيل بالانسحاب منها؛ إذ إن مصيرها خاضع لحل مستقبليٍّ للنزاع الإسرائيلي السوري.

وقد أكد الزعيم الدرزي وليد جنبلاط للتلفزيون الروسي أن مزارع شبعا ليست لبنانية، وقال: إنه بعد تحرير الجنوب عام 2000م، جرى تغيير الخرائط في الجنوب من قِبل ضباط سوريين بالاشتراك مع ضبّاط لبنانيين، ورأى أنه أول تغيير جغرافي على الورق، والغاية منه أن تبقى الذرائع السورية وغير السورية التي تستفيد من تصنيف مزارع شبعا أراضي لبنانية، وهذه الذرائع إنما ترمي إلى إبقاء حزب الله قوة سياسية وعسكرية مهيمنة على لبنان إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *