ماذا بقي من سلطات عائلة الأسد

المثقف الجديد - علي محمد طه

مع مجيء حافظ الأسد للحكم في سورية عام 1971م بدأ تنفيذ سياسة القبضة الحديدية وتدجين البلاد، ليتم تحويلها فيما بعد من الجمهورية العربية السورية إلى ما يعرف بسورية الأسد.

بات كل إنجاز في البلاد ينسب من قبل حزب البعث الحاكم للقائد حافظ الأسد، فهو في نظر حزبه ووسائل إعلامه وشبيحته السيد الرئيس القائد التاريخي الخالد وصاحب الحركة التصحيحية لكل شيء في البلاد، وهو أيضاً المعلم الأول والضابط الأول والمهندس الأول والطبيب الأول والفلاح الأول إلى آخره، ولا يمكن البدء بأي مشروع في البلاد دون أن يدشن بتمثال للرئيس الخالد أو كلمة منسوبة للقائد الأوحد، خلال مدة حكمه التي امتدت 30عاماً تحول كل شيء في سورية من عام 1971م حتى عام 2000م إلى ملك خاص لحافظ الأسد وابنائه وأشقائه، وسُخّرت كل انجاز في البلاد ليقال إنها من إنجازات القائد الخالد الذي انتخبه حزب البعث الحاكم في ولايته الأخيرة عام 1998م إلى الأبد.

وكانت عبارات “قائدنا إلى الأبد” “الأمین حافظ الأسد” هي الشعار الأشھر الذي يتردد ملايين المرات يومياً في سورية عبر وسائل الإعلام، وقد بلغ من شھرته أن حُفر في صخور الجبال ووُضع على لوحات ضخمة على الابنية الرئيسية في البلاد، وأصبح الأنشودة التي یرددھا الموظفون في دوائر عملهم، وتلامیذ المدارس في كل طابور صباحي. وهذه الشعارات الرنانة ورثها الأسد الابن بشار الأسد عند تسلمه الحكم عام 2000م، بل زاد عليها شعارات جديدة مثل: (بشار الأسد القائد الرمز)، و(الأسد القائد الأمل)، و(بشار المستقبل المشرق)، و(بشار سيفنا البتار)، و(الأسد أولا أحد).

خلال حقبتي الأسد الأب والابن نجح الاثنان في تحويل سورية إلى مزرعة خاصة لعائلة الأسد خاصة وللطائفة العلوية عامة، وخلال 30عاماً وهي المدة التي قضاها الأسد الأب في الحكم تحكّم أفراد أسرته في كل مقاليد السلطة في البلاد؛ فكان الجيش تحت قيادتهم، والاقتصاد والثقافة والتعليم والدين والسياسة، حتى الرياضة في سورية في قبضتهم.

ولعلنا نسرد هنا أسماء أشخاص متنفذين سيطروا على مواقع حساسة من عائلة الأسد في الدولة السورية:

* قيادة الجيش وأجهزة الأمن محصورة بالكامل في بيت الأسد وأقاربهم، فكان حافظ الأسد هو القائد الفعلي للدولة والجيش، يساعده على ذلك أخوه رفعت الأسد، وعدد من أشقائه وأبنائهم، وابنه باسل الأسد.

* ماهر الأسد قائد الفرقة الرابعة والنائب غير المعلن للرئيس بشار الأسد.

* زوجته أنيسة مخلوف تقلدت منصب الإشراف على كل ما يخص المرأة السورية، وعقب وفاتها تقلدت السيدة أسماء الأسد تلك المهمات، مع إضافة مناصب فخرية لكل الجمعيات الخيرية وجمعيات المرضى في سورية، كما تقلد والدها وأقاربها مناصب عليا في حزب البعث وفي وزارات الثقافة والتعليم والصحة والشؤون الاجتماعية.

* رفعت الأسد تقلّد منصب نائب الرئيس وقيادة قوة سرايا الدفاع.

* عدنان الأسد تقلّد قيادة سرايا الصراع.

* نمير الأسد تولى منصب المسؤول عن الموانئ السورية.

*شفيق فياض ابن عم حافظ الأسد قياديّ في المخابرات العسكرية والقائد العام للفرقة المدرعة الثالثة.

* نزار الأسد هو ابن عم بشار الأسد ورئيس شركة نزار للوازم حقول النفط.

* عدنان مخلوف شقيق زوجة حافظ الأسد قائد قوات الحرس الجمهوري.

* رياض شاليش هو ابن عمة بشار الأسد، تقلد هو وأبناؤه إدارة منظمة البناء الحكومية ومؤسسة الإسكان العسكري، وقد عمل على استثمار مشاريعها لمصلحة شركاته الخاصة، وحقق ثروة كبيرة من صفقات البناء والمقاولات في سورية التي كانت تنطوي على المشاريع الضخمة التي تمولها دول عربية وأجنبية أخرى.

* ذو الهمة شاليش ابن عمة بشار الأسد، وهو رئيس الأمن الرئاسي وجزء من الدائرة المقربة من قيادة حكومة بشار الأسد، يمتلك هو وأبناؤه شركات كبرى في مجال العقار وقطاع الاتصالات.

* بشرى الأسد شقيقة بشار الأسد، هي الوزير الفعلي لوزارة الصحة ومديرة مستشفى الأسد الجامعي.

* آصف شوكت زوج بشرى الأسد مدير شعبة المخابرات العسكرية ونائب وزير الدفاع السوري.

* آل مخلوف، وتندرج تحت هذا المسمى عائلة مخلوف وهم اللواء محمد مخلوف وأبناؤه: حافظ نائب مدير إدارة المخابرات العامة، ورامي وإيهاب وإياد، وهم قيادات عليا في الجيش والمخابرات السورية، وهي عائلة مقربة من بيت الأسد؛ لارتباطهم بها بصلة المصاهرة، وصعدت عائلة مخلوف من بدايات متواضعة لتصبح المستشار المالي لحافظ الأسد؛ بسبب زواج الرئيس الراحل من شقيقة اللواء محمد مخلوف، وقد أنشأت الأسرة برئاسة محمد مخلوف إمبراطورية مالية ضخمة في قطاعات الاتصالات السلكية واللاسلكية، وتجارة التجزئة، والخدمات المصرفية، وتوليد الطاقة، والنفط والغاز وقُدِّرت القيمة الصافية لثروة الأسرة في عام 2018م بـ130مليار دولار.

ووفقاً لصحيفة (فاينانشيال تايمز) يُعتقد بأن عائلة آل مخلوف تسيطر على ما يصل إلى60٪ من الاقتصاد السوري من خلال شبكة مصالحها التجارية التي تشمل الاتصالات، والنفط والغاز، والبناء، والخدمات المصرفية، وشركات الطيران والتجزئة، وينظر إليها على أنها الذراع التجارية لحكومة بشار الأسد.

وتتجاوز سيطرة آل الأسد وأقاربهم وأبناء بلدة القرداحة وما حولها على السلطات في سورية، تتجاوز الأسماء التي تم ذكرها هنا بكثير، وهي واسعة، ولا يمكن حصرها في تقرير واحد.

 

الثورة السورية وتقليص سلطات بيت الأسد

قبل الثورة السورية عدّت عائلة الأسد الدولة السورية جزء لا يتجزأ من ممتلكاتهم الخاصة، وقد انطلقت ثورة عام 2011م للمطالبة بتقليص سلطات العائلة، وللمطالبة بتحسين مستوى المعيشة ونيل مزيد من الحرية والعدالة.

وقد جابهت عائلة الأسد منذ اليوم الأول الثوار بالحديد والنار، وكان اعتداء العميد عاطف نجيب (ابن عمة بشار الأسد) رئيس فرع الامن السياسي في مدينة درعا على المتظاهرين وتعذيبه من اعتقلهم من الأطفال وتطاوله على أعيان محافظة حوران بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الثورة السورية، ولم تنطفئ نيرانها حتى يومنا هذا، وفي أثناء الثورة السورية فقدت العائلة كثيراً من الأسماء النافذة في سورية، وكثر القتلى من قرية القرداحة ومحيطها، وهي القرية التي تعد الخزان البشري للشبيحة؛ فبلغ قتلاهم حسب إحصائيات النظام السوري نحو 7000 قتيل، ومن أهم الأسماء التي فقدتها العائلة بسبب الحرب هي:

* آسف شوكت صهر الرئيس بشار وزوج شقيقته بشرى الأسد ومعاون الرئيس ومدير شعبة المخابرات العسكرية ونائب وزير الدفاع السوري، قُتل في تفجير خلية الازمة في دمشق عام 2012م.

* هلال الأسد زعيم الدفاع الوطني في محافظة اللاذقية وابن عم بشار الأسد، قُتل في معارك مع الثوار عام 2014م.

* محمد الأسد قائد خلايا سرايا الصراع وابن عم بشار الأسد، قُتل في معارك مع الثوار عام 2015م.

* سليمان الأسد من قيادات الحرس الجمهوري، قُتل في معارك مع الثوار عام 2014م.

* بشرى الأسد شقيقة بشار الأسد هربت إلى خارج البلاد بعد مقتل زوجها عام 2012م.

* مقتل أبرز افراد خلية الأزمة، وهي العقل المدبر للسياسة الداخلية والخارجية السورية، وهم:

العماد داوود راجحة وزير الدفاع ونائبه، واللواء هشام الاختيار رئيس مكتب الأمن القومي، والعماد حسن تركماني رئيس خلية إدارة الازمة.

وقد أسفرت أحداث الثورة عن مقتل عشرات الآلاف من جيش النظام السوري وشبيحته، وقد اعترف رئيس النظام بنفسه بمقتل ما يزيد على مئة ألف جندي سوري ومقاتل من قوات الدفاع الوطني في الصراع الدائر في البلاد منذ عام 2011م، وقد أسهمت الثورة في إيجاد وعي جماهيري كبير بضرورة تقليص سلطات آل الأسد وضرورة قول: كفى؛ لوقف عنجهيتهم وتسلّطهم على مقدرات البلاد على مدى نصف قرن مضى.

وقد كان للتدخل الإيراني الرسمي في سورية عام 2012م والروسي عام 2015م الدور الأكبر في بقاء الأسد في حكم سورية إلى اليوم، وقد بقي الأسد في منصبه، ولكن سلطاته تقلصت وصغرت دائرة سيطرته، وحسب التقارير الدولية فهو لا يتعدى كونه موظفاً يتلقى الأوامر العسكرية من قاعدة حميميم الروسية العسكرية في طرطوس، وحسب صحيفة الغارديان البريطانية فإن بشار الأسد يتلقى الأوامر من القيادة العسكرية في موسكو لينفذها.

 

صراعات داخلية

تعاني أسرة الأسد من الصراعات الداخلية؛ فشقيق الرئيس ماهر الأسد لم يعد يظهر على وسائل الإعلام عقب التفجير الذي استهدف خلية الأزمة، وكل التقارير تشير إلى أنه تأذى كثيراً من جراء التفجير، وهو لايزال يقدم نفسه على أنه الوريث الشرعي للحكم، وأنه رجل إيران القادم لحكم سورية.

أما موسكو فتعمل جاهدة على تقليص سلطات ماهر الأسد، وفي هذا الإطار ضغَطت على بشار الأسد ليصدر الأوامر بعزل عدد كبير من الضباط المقربين من شقيقه ماهر وإيران، ووضع آخرين موالين لموسكو في مكانهم.

 

معاناة اقتصادية

وعلى الجانب الاقتصادي يعاني بشار الأسد من مخاوف اندلاع ثورة الجياع في سورية، نتيجة الحصار الاقتصادي المفروض على البلاد وما تبعه من تدهور في سعر الليرة السورية، والغلاء الفاحش في الأسعار، وازدياد البطالة، وتفشي الفساد في كل جوانب الدولة، وقد تدهورت قيمة الليرة ليصل سعرها في مقابل الدولار الأمريكي إلى 1000 ليرة مقابل كل دولار، وفي المقابل توقفت الموارد المالية للنفط القادم من شرق سورية والذي تتحكم فيه حالياً قوات سورية الديمقراطية (قسد) المدعومة أمريكياً، وقد أكد الرئيس الأمريكي ترامب مؤخراً أن كل نفط سورية بات بيد أمريكا، ولن يسمح بوصوله إلى النظام السوري، ولامتصاص غضب الشعب الذي انهكته الحرب والجوع قام بشار الأسد بإصدار قرار يقضي بالحجز على أموال ابن خاله رامي مخلوف، ومصادرة أموال شركة الاتصالات السورية (سيريتل) المملوكة له، كما قام بالحجز على أموال عدد كبير من تجار سورية في خطوة يقول إنها إصلاحية في الطريق إلى محاربة الفساد والفاسدين في البلاد.

 

قدرات بشار وصلاحياته

مما لاشك فيه أن قدرات بشار الأسد وصلاحياته تضاءلت وتحجمت، ولم يعد له قدرة على احتواء طموحات روسيا وإيران المتزايدة في سورية، ولم يعد له أي دور في التأثير في التوازنات الروسية-الإيرانية، كما لم يعد يأبه به أحد من القوى الكبرى، وبات سلاحه الوحيد هو الاستنكار والاستهجان لتصرفات وتطلعات كل صاحب مشروع في البلاد، فدولة تركيا تمددت على طول الشريط الشمالي، وأمريكا وحلفاؤها يسيطرون على مناطق واسعة في شرق وشمال شرق سورية، وطيران إسرائيل يحلّق بشكل يومي في سماء عاصمته، ودائرة نفوذه آخذة في التضاؤل حتى بات مصدر تندر السوريين عليه؛ فهو يلقب بـ(مختار حي المهاجرين) أي: إن صلاحياته لا تتجاوز محيط منطقة القصر الجمهوري الذي يقبع فيه؛ بعد أن فقد السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، على حين تسيطر إيران على الوسط، وروسيا على منطقة الساحل، وبات الرئيس معزولاً دولياً وملاحَقاً بسبب جرائمه التي ارتكبها، وتطالب بمحاسبته كل المنظمات الدولية، وهو منذ عام 2011م لم يغادر سورية إلا خفية في زيارتين، كانت إحداهما إلى روسيا والأخرى إلى إيران، وبات اليوم مشروع إعادة تشكيل مؤسساته السياسية والعسكرية والاقتصادية رهناً بيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أعطى الضوء الأخضر لنتنياهو بتكثيف القصف الجوي على مواقع الجيش السوري والميليشيات الإيرانية في كل المناطق السورية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *