“ابن تيمية” واجهة لعلوم الاستغراب

موقع المثقف الجديد - عبدالرحمن الصالح

في زمن يعيش على هامش الأفكار الغربية الكبرى وعكوف عقوله على تبني أدبيات مدارسها الفكرية ومنتجاتها، تبرز عقول إسلامية استطاعت أن تشع على رغم بعد المسافة الزمنية بينها وبين الحاضر، لتكون أنموذجاً للتشبث بالهوية، وواجهةً يستقى منها الموقف المقاوِم للقوة الفكرية الغالبة.

ويحتفظ شيخ الإسلام “ابن تيمية” بمكانة سامقة ضمن أبرز الرموز الإسلامية المستدعاة في مواجهة السوق الفكرية الرائجة، حيث تتطلب مقارعة الحجة بالحجة توظيف أدوات الخصم وتفريغ منطلقاته، مع تشبث بالهوية واعتزاز بحجية الدليل الشرعي وأولويته المطلقة في التقديم.

 

استدعاء رجل غير نمطي

وفي الوقت الذي يواجه فيه المنتمون إلى المجال الشرعي تنميطاً غير مسبوق ينال معرفتهم بالعلوم والمعارف والحوارات السجالية مع مختلف المذاهب والطوائف، ترى المستشرقة الألمانية “أنكه فون كوجلجن” أن ذلك الانطباع نال “ابن تيمية” الذي فاجأها بأن موافقاته لكبار المفكرين الغربيين في صفحة واحدة تدهش العقل، إلا أنه يُعرف في أوساطه بأنه مجرد “رجلٌ واعظٌ، أو مصلحٌ نفسيٌّ، لا يملِك وراء ذلك تلك النظرةَ المعرفيَّة”.

ومن خلال مقال كتَبه أحمد فتحي تنقل كوجلجن عن عبدالرحمن الوكيل في مقدمة كتاب “نقض المنطق لابن تيميَّة” أن الكتاب يدلُّ على عبقرية ابن تيميَّة التي فجَّرتِ الثورة التي أشعلها فيما بعد فرنسيس بيكون (1561 – 1626)، وجون ستيورات ميل (1806 – 1873).

لقد دَرَجَ كثيرٌ من الكُتَّاب في العصر الحديث على محاولة إثْبات تأثير بعض علماء الإسلام على الفِكْر الغربي؛ من طريق سَرْدِ التشابهات الفِكْريَّة بين آراء هؤلاء العلماء وما اعتنقه الفلاسفة الغربيون فيما بعد، مع أنَّ مجرَّد التشابه؛ بل التطابق أيضاً، لا يدلاذن على التأثُّر، إلا إذا ثَبَتَ اطِّلاعُ المتأخِّر على تراث المتقدِّم، وإثبات ذلك يكون بدليل مُنْفَصِلٍ عن النصوص المتشابهة، أو حتى إثْبات إمكانيَّة اطِّلاعه على كُتبه وقُرْب ذلك من الواقع، وبخاصة في المسائل الفِكْريَّة والفلسفيَّة العامة، فإنَّها مما يكثرُ فيه تواردُ الخواطر وتطابقها؛ لأنها مشتركٌ إنسانيٌّ عام.

وفي استحضاره للفرق الجوهري بين ابن تيمية وغيره من الفلاسفة يذهب فتحي إلى أن قوة ابن تيميَّة تكمن في اعتماده في معرفة الحقِّ على الدليل القرآني أولاً، ثم النظر بعد ذلك في المخالفين لهذا الدليل بعقولهم، وبيان تناقضهم؛ سواء أكان ذلك من جهة تناقض المذهب الواحدِ وعدم اتساقِه من جهةٍ، أم مِن ناحية تناقض المذاهبِ العقلية مع بعضها من جهةٍ أخرى، مشيراً إلى أنه تفرَّد بطريقته التي ردَّ بها على الفِرَق، ومن جهةٍ أخرى فإن له آراءه واجتهاداته العقلية التي يمكنُ الاختلافُ بشأنها قَبولاً أو ردًّا.

 

وقفة أسست لعلم حديث

ومع صولات وجولات ابن تيمية في الحجاج العقلي وقدرته على تفكيك آراء الخصوم ومداخلهم، كان ينافح من منطلقه القرآني، وهذا الأمر تنبّه له الدكتور محمود ماضي في أبحاث وكتابات ابن تيمية، وهو يرى فيها جذور إرهاصات لعلم الاستغراب.

ويعد علم الاستغراب أحد أوجه التحول النقدي في الساحة المعرفية، حيث يتبحر عالم شرقي في علوم الغرب أو في واحد منها، مشكلاً معاكساً دراسياً للمستشرق الغربي الذي يدرس الحضارة الإسلامية أو الشرقية من منطلقاته الغربية.

وأوحت قراءة الدكتور ماضي لكتاب “مقدمة في علم الاستغراب” للدكتور حسن حنفي بإعداد دراسة خاصة عن “الرد على المنطقيين” للإمام ابن تيمية وربطه بعلم الاستغراب، فجذور هذا العلم ترجع في نموذجه القديم إلى علاقة الحضارة الإسلامية بالحضارة اليونانية عندما كانت الحضارة الإسلامية ذاتاً دارسة، واستطاعت أن تحول الحضارة اليونانية إلى موضوع دراسة.

ويهدف علم الاستغراب إلى السيطرة على الوعي الأوربي والتقليل من رهابه، وأنه ليس بالوعي الذي لا يُقهر، وذلك ما أسسه “ابن تيمية” كأنموذج من نماذج الفكر الإسلامي، الذي استطاع بحسب حسن حنفي تمثيل الحضارات السابقة دون أن يفقد هويته، ثم أقدم على نقدها.

ويرى ماضي أن ممارسة علم الاستغراب تعتمد على الدفاع عن الهوية ضد التغريب، وتتكئ على الموقف السلفي القديم ممثلاً بابن تيمية، عندما انعكف على الذات معادياً الآخر الغازي إبان العدوان الخارجي على الأمة من الغرب (الصليبيين) أو الشرق (التتار والمغول)، والظروف الآن متشابهة بين الغزو الاستعماري الحديث والغز الاستعماري القديم، وفي كل مرة تتشابه المسالك والحلول.

 

 زحزحة الرهبة من الغرب

وفي طريق البحث عن وعي يواجه الآخر المعادي ويقارعه بالحجة ويقلل من رهابه، يرى الأستاذ عبدالله الهدلق أننا إذا كنا نعترف بأن الغرب قابع في قلوب الكثير منا كمصدر للمعرفة، وكإطار مرجعي يحال إليه كل شيء للفهم والتقييم، فسنظل قاصرين، وفي حاجة دائماً إلى أوصياء.

ويؤكد الهدلق في كتابه “الهادي والهاذي.. ابن تيمية جلاد الحكمة المصلوبة” أن مشروع ابن تيمية كان يهدف إلى إزاحة الرهبة من الآخر وكشفه وتحجيمه، والتصدي لأي وصاية فكرية تصدر منه، مستدعياً مقولة للدكتور محمود ماضي بأن “ابن تيمية” أراد للإنسان المسلم أن يفكّر بعقله، وألا يدع أفلاطون أو أرسطو أو أفلوطين يفكّرون له.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *