معادلة تركيا في المنطقة العربية

موقع المثقف الجديد - عمر سراقوة

من أكثر الأشياء التي نلاحظها في الصراع الجيوسياسي في منطقتنا هذه الأيام ما تقوم به بعض الجماعات والرموز المنطوية تحت مظلة جماعة الإخوان المسلمين للتسويق للسياسات التركية في المنطقة، على حساب هويتها الوطنية والقومية؛ بهدف تحقيق بعض المكاسب الآنية؛ بسبب تصارعها مع الأنظمة الحاكمة في بلادها.

فبالتزامن مع ارتفاع تكاليف الحياة في بلدان الخليج العربي قبل سنوات ولجوء الكثير من المقيمين هناك إلى إخراج عائلاتهم منها بدأت تركيا فتح ما عرف بالإقامة السياحية لمثل هذه العائلات بغية تحقيق مكاسب مادية مثل الرصيد الضخم من العملة الصعبة التي تنفقها تلك الأسر خلال إقامتها في تركيا، وبالتزامن مع انهيار الليرة التركية قدمت أنقرة إغراءات ضخمة لتلك الفئة مثل الحصول على الجنسية مقابل رهن مالي تزيد قيمته عن 250 ألف دولار وغيرها من الامتيازات التي تقدم مقابل رصيد مالي ضخم من العملة الصعبة. وفي هذه الأيام تنتهي المسرحية الإنسانية التركية إزاء العرب الذين فروا من حروب بلادهم وأزماتها والضغوط المالية التي زاد عليهم في الخليج، بأن قلبت أنقرة لهم ظهر المجن، وبدأت رفض تجديد إقاماتهم السياحية، مشترطة عليهم شراء عقارات بمبالغ ضخمة، بعد أن عاش كثير من الأسر من الفلسطينيين واليمنيين والمصريين والسوريين وغيرهم سنوات، وأسس بعضهم مشاريع اقتصادية، وعلموا أبناءهم اللغة التركية، واليوم تطلب تركيا منهم إما دفع المزيد من الأموال وإما البحث عن بلد لجوء جديد، وهذا الأمر يكشف حقيقة الخطاب الإنساني التركي المزيف الذي يستغل الثغرات لفتح منافذ للتغول التركي في بلادنا العربية بهدف التربح الاقتصادي وفرض النفوذ العسكري والسياسي؛ بغية التربح على حساب شعوب المنطقة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك اتساع النفوذ التركي الصومال، ذلك البلد الذي تستنزف الشركات التركية ثرواته.

بدأت تركيا التسلل إلى الصومال عبر مشاريع إنسانية لا تتجاوز قيمتها عشرات الآلاف من الدولارات عبر منظمة “تيكا” الحكومية، التي تنتشر بأعمالها في عدد من البلدان الفقيرة، بتبني برامج تعليمية مخفضة الكلفة أو توزيع سلال غذائية وبطانيات، وغيرها من الإعانات الغذائية البسيطة مقابل حضور إعلامي قوي.

وعقب تبادل البعثات الدبلوماسية أنشأت أنقرة أكبر قواعدها العسكرية في أفريقيا على ساحل المحيط الهندي الذي يحتفظ بثروة سمكية ضخمة للصومال تقدر بـ300 ألف طن، لا يستخرج منها إلا ثمانية آلاف طن حالياً، في بلد تمتد شواطئه على المحيط 3300 كيلومتر.

تسعى أنقرة إلى الحصول على مقابل نظير استضافتها عشرات الطلاب الجامعيين الصوماليين، وتقديمها سلال غذائية للمعوزين في السواحل الصومالية، ونجحت في توقيع اتفاق عبر شركة “البيرك” لإدارة ميناء مقديشو مدة عشرين عاماً، وتشمل الاتفاقية حصول تركيا على أرباح تصل إلى 55% مقابل 45% للحكومة الصومالية مقابل إدارة الميناء، مع صلاحيات كاملة لتشغيل أرصفة الشحن، وهذا الأمر سمح للشركة التركية بفتح نافذة للهيمنة على الموارد المائية للصومال.

ونجحت الدبلوماسية التركية التي رسخت لوجود عسكري تركي في الصومال عبر المدارس العسكرية، التي أصبحت تخرج القادة العسكريين الصوماليين بالسيطرة على قطاع الملاحة الجوية في الصومال، عبر توقيع عقد لإدارة مطار مقديشو من قِبَل شركة “فافوري” التركية، التي فرضت هيمنتها على هذا النشاط حتى أصبحت جميع شركات الطيران الأفريقية والصومالية تحصل على موافقة للعمل داخل الأجواء الصومالية مقابل رسوم تشغلية تحصل عليها الشركة التركية.

وبسبب النفوذ العسكري التركي الضخم سمحت الحكومة الصومالية للشركات التركية بتنفيذ جميع مشاريع البنية التحتية في المدن الصومالية، سواء فيما يتعلق بالاتصالات أم الطرق أم الكهرباء وهذا الأمر حقق لتركيا الكثير من المكاسب، أبرزها الحصول على العملة الصعبة، وتوفير سوق عمل للمواطنين الأتراك على حساب الصوماليين، وكذلك تحقيق نفوذ أمني في منطقة تبعد آلاف الأميال عن الحدود التركية، وهي إمبريالية جديدة تسعى تركيا إلى تحقيقها، تشبه كثيراً السياسات الأخرى التي تستهدف الهيمنة على الموارد الاقتصادية في المنطقة.

إنه ينبغي لقوى السياسة العربية أن تسعى إلى إيجاد بدائل للتغول التركي في مناطق نفوذها، وإلا فإننا سنجد أنفسنا محاصرين اقتصادياً وعسكرياً بنفوذ تركي ضخم، يستنزف ثرواتنا ويدمر الهوية الوطنية والقومية العربية، وما نراه في ليبيا خير مثال على خطر المشروع التركي في المنطقة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *