هل من تشريع ضد جرائم الكراهية؟

[JUSTIFY][SIZE=5][COLOR=#33A39E]د. عبدالرحمن الحبيب :[/COLOR]

نتيجة الظروف السياسية التي يشهدها العالم العربي، تحتدم المرحلة الراهنة بحالة استقطاب حادة واحتقان انفعالي منفلت. ويساعد إعلام الإنترنت والفضائيات على حدة الاستقطابات، حيث عادة ينتقي الناس الطرح الأكثر انفعالاً وإيغالا في الخصومة. وصاحِب الطرح قد لا يكتفي بدوره كصاحب رأي، بل يمنح نفسه وظيفة المدعي العام والمحقق والشرطي وضابط الأمن، وأيضاً وظيفة القاضي الذي يصدر الحكم ودرجة العقوبة، أو يتواضع ويؤلب الحكومة والناس على هذا الكاتب أو ذاك: العميل، الخائن، الكافر، المتآمر، الطابور الخامس.. وكل ما لذ وطاب من قذاعات التهم التي في غالبها تستند على تأويلات أو إساءة فهم السياق أو استنطاق لما بين الأسطر للنصوص المتهَمة..

ويتم الهجوم الاخلاقي بين الأطراف أو إلقاء التهم السياسية أو الدينية بصيغ عديدة، مرة تأخذ الشكل الطائفي (سني/شيعي) أو الفكري (سلفي/ ليبرالي) وأحيانا القبلي أو المناطقي.. وحتى داخل الفئة الواحدة تجد استقطابا حادا (يميني/ يساري) مع المزايدة على الوطنية.. وحتى الأفراد المستقلون هم ليسوا بمنأى عن ذلك، بل أنهم قد يكونون عرضة للهجوم أكثر من غيرهم، لعدم وجود فئة تحميهم..
فوضى إطلاق التهم وخطورتها دعت بعض الكتاب إلى منع الحديث الطائفي أو أي طرح يحمل أبعاداً عنصرية طائفية كانت أو مناطقية وقبلية. وفي تقديري هذه الدعوة رغم نيتها الطيبة هي تكميم للأفواه وغالباً ما أدت مثل هذه التطبيقات إلى حالة قمعية ومصادرة لحرية الإنسان، ناهيك عن استحالة تطبيقها في زمن الإنترنت، فالضبط على الطريقة القديمة أصبح غير فعَّال واقعياً وتجاوزه الزمن.

الحالة التي نحن فيها من عشوائية إطلاق التهم وقذف الآخرين تتطلب ضبطاً تشريعياً جديدا للأعمال التي تتضمن طرحاً عنصرياً ضد الآخر (طائفي، فكري، مناطقي، قبلي..) أو التي تتضمن اتهامات (أخلاقية، سياسية، دينية) للآخرين. هذا الضبط التشريعي ينبغي أن لا يمس حق حرية التعبير، إلا في حالة أن يمثل التعبير اعتداء على حقوق الآخرين وحرياتهم، بمعنى أن الحرية تتضمن المسؤولية؛ فهناك اختلاف بين حرية إبداء الرأي في الآخرين وبين حرية إصدار التهم عليهم.ما هي الحدود والضوابط التي ينبغي وضعها للتعبير الحر؟ وما هي الوسائل لوضعها؟ وكيف يمكن وضعها؟ الإجابة على هذه الأسئلة يتطلب وضوح الرؤية للعديد من المفاهيم المرتبطة بالحقوق، مفهوم حرية الرأي والتعبير والمعتقد، وحرية النشر، ومفهوم الرقابة، ومفهوم إطلاق الأحكام على النص المكتوب أو على الكاتب، ويحتاج للوعي بمفاهيم النقد وما يشمله من تصنيف للآخرين أو أفكارهم، والاختلاف بين دور الناقد وصاحب الرأي من جهة ودور ضابط الأمن والمحقق والمدعي والقاضي من جهة أخرى.

فعلى سبيل المثال، إذا كانت طبيعة النقد تتضمن إطلاق أحكام وتصنيف حتى وإن كان قاسياً وبه هجوم شخصي، فإن المهم ألا تدخل الأحكام النقدية في إطار القذف أو إطلاق التهم التي يُعاقب عليها، فتلك مهمة جهات أخرى كلجان الرقابة أو المحاكم القضائية أو غيرها من الجهات النظامية الرسمية.. فالأحكام النقدية مختلفة تماماً عن الأحكام القضائية، فليس من حق فرد إطلاق تهم على كاتب كالتخوين أو العمالة لجهات أجنبية أو الرشوة ,فتلك مهمة جهات أمنية لها دورها في هذا المجال، وليس من حق فرد إطلاق حكم بالتكفير مع تحديد عقوبة بتفاصيلها وكأنه يرأس محكمة فيها ادعاء ومتهم وشهود ومحامون..الخ، هذا خلل فاضح في فهم حرية النقد أو في طريقة رفض آراء الآخرين.. حق حرية التعبير لا يمنح حق الاتهام التشهيري، فذلك تعاقب عليه كل الأنظمة في كل الدول والمجتمعات المستقرة، والأخطر حينما يوضع مع الاتهام تحديد للعقوبة فهذا تأصيل فكري للإرهاب وتشجيع على الفوضى..

ينبغي أن تكون هناك مرجعية قانونية أو تشريعية جديدة تحدد ضوابط الهجوم على الآخرين وطريقة اتهامهم، بحيث لا يتعدى النقد إلى القذف والتكفير والتخوين وجرائم العنصرية والكراهية. لكن ذلك يتطلب أولاً من المختصين والمعنيين من القانونيين والفقهاء والحقوقيين والمثقفين والدعاة والكُتاب المشاركة في حوارات ونقاشات موضوعية تثمر رؤى وتصورات أولية ليصار بعد ذلك لتشكيل الضوابط المنظِمة لهذه العملية التي تحولت لفلتان واضح وخطير..[/SIZE][/JUSTIFY]

التعليقات

لا يوجد تعليقات. كن أول المعلقين!
  1. عابر says:

    السنة أمة وليسوا طائفة
    الطائفة هم الشيعة والنصيريين وغيرهم

  2. أم حمد says:

    من أجمل ماقرأت ياليت تكثر مثل هذه امقالات سلمت يمينك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *